الرئيسية 
 عن اليمن 
 الحكومة اليمنية 
 معلومات قطاعية 
 عن المركز 
 خدمات الموقع 
مؤتمر الحوار الوطني الشامل
الموقع الفرعي الخاص بالسياحة
فيلم وثائقي عن المركز الوطني للمعلومات
">طباعة الصفحة خارطة الموقع الموقع الرئيسي / المحتوى المعلوماتي / اللغة والأدب

الصورة في الشعر العربي في اليمن حتى نهاية العصر العباسي

الباحث:  د/ محمد احمد غالب العامري
الدرجة العلمية:  دكتوراه
تاريخ الإقرار:  2003
نوع الدراسة:  رسالة جامعية

الملخص:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وبعد..

هناك إشكاليات كثيرة تتصل بالتراث اليمني القديم، والأدبي منه بشكل خاص، فقد عانى من الإهمال والتهميش من أبناء العربية ـ ومنهم أبناء اليمن ـ فلم ينل حظه من الدراسة والاهتمام ما ناله أدبنا العربي في أقاليم عربية أخرى، بل وفي أقاليم غير عربية. ولو رجعنا إلى المصادر ذات العلاقة كيتيمة الدهر، ودمية القصر، وخريدة القصر، وغيرها قديماً، وإلى كثير من الكتب الحديثة التي تتحدث عن الشعراء العرب في العصور المختلفة سندرك صدق هذا القول.

وقد يكون موقع اليمن الجغرافي المنعزل، وطبيعة أحواله؛ إذ ذاك ـ سياسية وغيرها ـ وطبيعة الإنسان اليمني الذي ينقصه الاعتداد بالذات، وإبراز الملكات سبباً في عزلة تراثه، وجهل الناس به، حتى وصل الأمر حد إنكار أجزاء مهمة منه نتيجة ضياع الكثير منه. غير أن ذلك لا يعفي الأجيال اللاحقة من أبناء العربية ـ واليمنيين بشكل خاص ـ من تبعة التقصير أمام عربيتنا وأسلافنا.

إن استمرار الباحثين المعاصرين في العزوف عن التنقيب والبحث في الأدب العربي القديم في اليمن يعد استمراراً في الجناية عليه. ولا يسوغ ذلك وعورة الطريق التي لم توطأ كثيراً وصعوبة السير فيها، وقلة السالكين، وزهد الباحثين من تجشم عناء المحاولة والبحث ضناً بالوقت والجهد، أو خوف عدم الوصول، خصوصاً لمن آمن بأهمية الأمر، وعرف مقدار الواجب عليه أمام أمته   وتراثه.

ومن هنا وجدت لزاماً علي أن أحمل عبء دراسة الشعر اليمني من خلال محور محدد هو الصورة الشعرية فيه حتى نهاية العصر العباسي؛ لأن الصورة الشعرية واسطة الشعر وجوهره، والتعبير بالصورة الشعرية أرقى صور التعبير الفني الشعري، وأكثرها أصالة، فدراستي للصورة الشعرية في الشعر العربي في اليمن تأتي دراسة لأهم جوانبه، وإبرازاً لأجمل مظاهره الفنية، وتبياناً لأرقى وسائله التعبيرية. وهذه الدراسة ليست فريدة لكن الفريد فيها يتمثل في مادتها وميدان دراستها. فلم تسبقها ـ فيما أعلم ـ دراسة فنية، أو نقدية تناولت الشعر اليمني القديم. فكل ما بين أيدينا من الجهود والدراسات التي عنيت بهذا الشعر ـ وهي لا تساوي بمجموعها مقدار ما حازه شاعر واحد من الشعراء العرب المحظوظين ـ لا تعدو عن أن تكون دراسات تاريخية لشعر قبيلة ما، أو دويلة من الدويلات التي حكمت جزءاً من أجزاء اليمن. وهي على كلٍ جهود مشكورة، ولها ولأصحابها علي يد ومنة.

تسبح هذه الدراسة في فضاء مكاني يشمل اليمن المتعارف عليه قديماً ، فلا ينطوي تحتها شعراء القبائل اليمانية التي هاجرت من اليمن كامرئ القيس ، وحسان ؛ وآل الحميري ، والعذريين والخزاعيين ، والطائيين ، والمعري . إلا أن يهاجر الشاعر من اليمن بعد أن قضى فيها شطر عمره الأكبر وتشربت نفسه وصوره الشعرية خصوصية البيئة اليمانية وآثارها ومخاييلها ومعجمها الشعري كعمرو بن معد يكرب والنجاشي الحارثي ووضاح وعمارة اليمني؛ كذلك تستبعد هذه الدراسة الشعراء العرب الذين وفدوا على اليمن بعد أن نضجت ملكاتهم الشعرية واستوت على سوقها مثل: طلحة النعماني ، والقاضي الرشيد ، والناجي المصري ، وابن الرفاء ، والقاضي الجليس ، وابن قلاقس ومواهب بن حديد المغربي ، وابن يقظان السبتي ، والقاضي العثماني ، وغيرهم .

طبيعي أن تكون دواوين الشعراء اليمنيين في طليعة المصادر التي اعتمدتها. وقد بحثت بحثاً مضنياً في المصادر القديمة (تاريخية، مجموعات شعرية، معاجم، كتب تراجم) فأمدتني بمادة وفيرة. وهي وإن تزاوجت فيها الإيحاءة التاريخية مع الجانب الفني، لكن لم أر بداً من الرجوع إليها لاستكمال جوانب الصورة، وللفت الانتباه إلى جزء مهم من تراثنا المهمل، وتأتي في مقدمة هذه المصادر: الإكليل للهمداني ، والمفيد لعمارة اليمني ، والسلوك للجندي . وأفدت من كتاب الخريدة كثيراً، فهو وإن كان عالة على كتاب المفيد لعمارة فيما يتعلق بالشعراء اليمنيين، لكن النصوص التي فيه أدق وأضبط، إذ يبدو أنه اعتمد نسخاً أدق من التي اعتمدها محقق نسخة المفيد التي بين أيدينا؛ لذا قرنت بين الخريدة والمفيد كثيراً. كما أفدت من كتاب ( المحمدون من الشعراء ) فائدة كبيرة، وقد أمدتني الكتب البلاغية والنقدية القديمة بمادة وزاد تركا أثراً واضحاً في البابين الثاني والثالث خصوصاً.

كما رجعت إلى بعض المؤلفات اليمنية الحديثة التي تناولت شعراء هذه الحقبة، وذلك للاستئناس بها، والاستفادة منها في ضبط وفهم بعض النصوص الغامضة مثل: الأدب والثقافة في اليمن عبر العصور لمحمد سعيد جرادة، وقصة الأدب في اليمن وتاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي وكلاهما لأحمد بن محمد الشامي وغيرها.

أما المراجع الحديثة ذات الصبغة النقدية والفنية البحتة فهي نقطة الارتكاز التي انطلقت منها في هذه الدراسة، والمحور الذي أمدني بالتصورات المتعلقة بالبحث، وتأتي في مقدمتها تلك الكتب والأبحاث والرسائل العلمية المتعلقة بالصورة الشعرية، فقد أعطيتها جزءاً كبيراً من وقتي واهتمامي، وهو أمر طبيعي، وإن كان التكرار والتطابق فيها بين طائفة من القضايا جعلني أستغني ببعض عن آخر في أخذي منها، وأهم هذه المراجع: الصورة والبناء الشعري لمحمد حسن عبد الله، والصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب لجابر عصفور، والتصوير الشعري عند ابن المعتز للدكتورة سنية الجبوري، والصورة الفنية في شعر أبي تمام لعبد القادر الرباعي، والصورة الفنية في شعر الطائيين لوحيد صبحي كبابة، والصورة الفنية في الشعر الجاهلي لنصرت عبد الرحمن ، والصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري لعلي البطل ، وكنت قد وقفت مع هذين الأخيرين وقفة مطولة راداً تفسيرهما الأسطوري للمرأة في الشعر العربي قبل الإسلام ثم آثرت الإعراض عن ذلك ، كما أفدت من كتاب الحركة الشعرية في فلسطين المحتلة ، ومقالات في الشعر الجاهلي ليوسف اليوسف ، وفي النقد والأدب لإيليا الحاوي ، ومن منهج مؤلفيها في تحليل النص .

كما رجعت إلى كثير من الدواوين لشعراء عرب آخرين قيدت في الهوامش بعضاً من صورهم المتقاربة مع الشعراء اليمنيين للمقارنة وإكمال الفائدة .

ولم أتقيد في تحليل النصوص الشعرية بمنهج واحد؛ لأن ذلك يعيق عن الانطلاق. فالمنهج المناسب تقرره طبيعة النص. غير أنني حاولت الاستفادة من بنيات النص المختلفة ( الصرفية، والصوتية، والدلالية، والمعجمية ) مائلاً بذلك إلى المنهج التكاملي، لأنني أتعامل مع نصوص متباينة لشعراء اختلفت أزمنتهم وتعددت الدوافع والمؤثرات فيهم، والاتجاهات الشعرية لديهم.

لقد كانت الجهود مضنية اقتضت تتبع النص الشعري اليمني في مظانه المتفرقة ومصادره المتفرعة المشتتة، والتمييز بين الشعراء اليمنيين الذين تنطبق عليهم الدراسة من غيرهم ، وهو أمر بالغ الصعوبة والتعقيد ، فجل القبائل المستقرة في اليمن لها فروع في العراق والشام والحجاز ونجد وفي أمصار بعيدة ، ولكل شعراؤها وكثير منهم لم تسعف المصادر بنبأ شاف عنهم ، ولم ارتض الوقوف عند من هو معروف ، أو الاكتفاء بما اكتفت به الدراسات التاريخية السابقة ، لذلك وبعد طرحي عدداً من الشعراء الذين وهمت فيهم ثم تبين لي عدم انطباق الوصف عليهم زاد عدد من ذكرتهم من الشعراء عن المائة، وهذا العدد لم تحوه الدراسات التي اطلعت عليها مجتمعة ، ومع ذلك لا أدعي الاستيعاب فما زال هناك الكثير المقتضي للجهد الكبير .

كما قمت بدراسة النصوص دراسة تحليلية متكاملة، ذات استبطان دقيق يطل بنا على نفسية الشاعر اليمني ، ومحيطه الإنساني ، وعناصر البيئة الأخرى المؤثرة في ذلك ، ويجعلنا نقبض على المكامن الهامة التي تمكننا من الغوص في أعماق التجربة الشعرية لديه ، واستكناه ما تحويه عناصرها من جمال وإيحاء .

فدراستنا هذه إذن تشكل خطوة إضافية للدراسات التاريخية السابقة، وفاتحة للدراسات النقدية في الشعر اليمني القديم.

وقد ارتأيت أن أقسم هذه الأطروحة إلى ثلاثة أبواب:

الباب الأول : خصصته للحديث عن مصادر الصورة وموضوعاتها لدى الشاعر اليمني . وقد تم الانطلاق في الحديث عن ذلك من نقطة تعتبر الإنسان بشقيه ( مرأة / رجل ) أهم المنابع المغذية للصورة لدى الشاعر اليمني القديم وأبرز محاورها؛ وذلك لسببين. أحدهما خاص بطبيعة الشعر اليمني موضوع الدراسة، يتمثل ذلك في كون معظم ما هو بين أيدينا منه يدور حول محوري الحرب والغزل.

والآخر عام؛ ذلك أن الإنسان هو قطب الرحا الذي تدور به وحوله عجلة الحياة، ويشكل أس الحياة ومعناها، وهو أكثر أبناء البيئة ، وأجزاء الطبيعة تماساً مع الشاعر ، وتفاعلاً معه ، أيضاً فالشاعر إنسان وليس شيئاً آخر .

ثم إن هذا الإنتحاء يغنينا عن التفريع، فتنطوي تحته الإشارة إلى كل ما له علاقة بالشاعر، عصره ومختلف أحواله، وأثر ذلك على صوره الشعرية .

كما أن هناك عوامل أخرى كان لها أثر في تكوين الصورة لدى الشاعر اليمني مع اختلاف حظ الشعراء منها ، لكنها تشكل حضوراً ملحوظاً في الشعر بعمومه ، وتحمل في طياتها دلالات لا يستغنى عنها في دراسة الصورة في الشعر اليمني القديم .

لذلك جاءت فصول هذا الباب ثلاثة : الفصل الأول خصصته لصورة المرأة ، والفصل الثاني لصورة الرجل ، والفصل الثالث لبقية الأمور الأخرى .

 

الباب الثاني: وضم فصلين كل منهما يحوي مبحثين.

الفصل الأول: درست فيه بناء الصورة لدى الشاعر اليمني بأقسامها الثلاثة المفردة، المركبة، الكلية. وقد استحوذت الصورة المفردة على مبحث كامل، لأنها الأساس الذي تنطلق منه الصورتان المركبة ثم الكلية: وبينت من خلال النماذج أن الصورة المفردة قد تكون صورة بيانية ( تشبيه أو مجاز أو كناية )، وقد تكون وصفية حقيقية.

ووقفت مع نماذج لنوعي الصورة المركبة المكثفة والموسعة.

أما الصورة الكلية فإنها ـ على رغم ندرتها في الشعر العربي ـ تحظى بنماذج عدة في الشعر اليمني، تم تناول ذلك من خلال أنماط بنائها الثلاثة ( الحشد، والسرد، والوصف ).

أما الفصل الثاني فتناولت فيه أنماط الصورة لدى الشاعر اليمني مقسماً إياه إلى مبحثين:

الأول: تناولت فيه الصورة الحسية. وهي ذات الحضور الأكبر، ومما يندرج تحتها: التجسيد والتشخيص واشتراك الحواس .

الثاني: وتناولت فيه الصورة التجريدية المعتمدة على الفضاء الذهني الخارج من سلطان الحواس ، ونطاق مدركاتها .

وذكرت فيه أنماطاً أخر من الصور تكتسب سمات متميزة من طبيعة العلاقة بين ذهني المنشئ والمتلقي مع انضوائها في إطار أحد النمطين السابقين. من تلك الصور ( القريبة، والبعيدة، الساكنة، والمتحركة، الممتدة، والمنقطعة ).

 

الباب الثالث: وضمنته فصلين كل منهما يضم مبحثين :

الفصل الأول: تحدثت فيه عن وظيفة الصورة في الشعر اليمني، ووجدت أن الشاعر يصوغ صوره إما للإقناع وتحقيق نفع مادي أو معنوي وضمنت ذلك في مبحث مستقل. أو لنقل تجربته الحياتية للآخرين، أو يتخذ منها وسيلة ليفرغ بواسطتها بعض ما يعانيه من كبت وتأزم ، أو لقصد إمتاع الآخرين ، وجذب اهتمامهم ، والاستيلاء على مشاعرهم ، وذلك ضمن مبحث ثانٍ.

الفصل الثاني : المبحث الأول منه ذكرت فيه بعض السمات الايجابية التي تتحلى بها الصورة في الشعر اليمني ، تحت عنوانات ثلاث :

Ÿ       الجدة : وضمنتها بعض الصور التي ابتدعها الشاعر اليمني .

Ÿ       الإيحاء : وأوردت تحته بعض الصور ذات الإشعاع الإيحائي المتعدد الدلالات .

Ÿ       التكثيف : وأوردت تحته بعض الصور الموجزة اللفظ الواسعة المعنى .

وهذان الأخيران لا ينفرد بهما الشعر اليمني إلا في النصوص الخاصة الواردة.

المبحث الثاني خصصته للحديث عن بعض الأمور السلبية التي ألمت بالصورة لدى الشاعر اليمني وأوردت نماذج لذلك.

وختمت البحث بالنتائج التي توصلت إليها بعد ذلك التطواف الطويل.

وذيلت هذا الجهد المتواضع بترجمة موجزة للشعراء اليمنيين الذين أخذت عنهم؛ تخفيفاً عن الهوامش، وزيادة في الفائدة. وقد راعيت في الترجمة بشكل رئيس تحقق صفتي الزمان والمكان الذين اشترطتهما في الشعراء موضوع الدراسة.

وقبل أن ألج في دراسة الصورة لدى الشاعر العربي في اليمن ثمة أمور أحببت الإشارة إليها، وإن يكن بعضها بديهياً مسلماً به:

·    أولاً: القصيدة العربية القديمة في اليمن ـ مثل أخواتها في الأمصار العربية الأخرى ـ متعددة الأغراض متنوعة الصور؛ لذلك لا يشكل اجتزاء صور من القصائد خللاً في الوصول إلى المراد من دراسة الصورة، فضلاً عن أن كثير مما بين أيدينا من الشعر اليمني القديم مقطوعات متفرقة، أو بقايا قصائد.

·    ثانياً: دراسة الصورة الشعرية لا تنأى عن أن تكون محاولة لرصد آفاق المخيلة طبقاً لعلاقة الذات بالموضوع وما تنطوي عليه من مشكلات تعكس طبيعة مواقف الشعراء من حدي هذه العلاقة ([1])، والذي يحدد ذلك بشكل كبير هو انطباعية الباحث وما يستوحيه من النص. والانطباعات تتعدد وتتباين.

·         ثالثاً: مراعاة العصر، فلا نحمل النصوص ما لا تحمله، ولا نطلب منها ما نطلبه من الشعر الحديث، كما لا نغمطها حقها ونسلبها كل جميل.

·    رابعاً: لم أغفل عن أمور تعدها كثير من الدراسات الحديثة من مصادر الصورة مثل الخيال والذات، وغيرهما من الأمور الأخرى كالعاطفة والشعور، لكنني تجاوزت ذلك لأسباب عدة منها:

أ. أن هذه الأمور ـ في رأيي ـ أكبر من أن تكون مجرد مصدر من مصادر الصورة؛ إذ أن خيال الشاعر وذاته الخصبة الشاعرة هما ركيزة شاعريته، وبهما وبتميزهما يصبح الشاعر شاعراً ويتميز عن غيره ـ بل وبهما يتمايز الشعراء فيما بينهم ـ وإلا فإن أغلب البشر يشتركون مع الشعراء في منابعهم ومؤثراتهم وموضوعاتهم ، غير أنهم لا يملكون ذات الشاعر وخياله ودقة إحساسه وشعوره .

فليس عدم جعلي هذه الأمور ضمن مصادر الصورة تقليلاً من شأنها بل تسامياً بها.

ثم إن الخيال لا ينسج صورة من ذاته بوصفها فراغاً.. بل يصوغها من مواد تجربته المعاشة ([2])، ولا كذلك الذات، وإن كانت هي الأرضية التي تنبت فيها، وبمعنى آخر: إن الوعي من صنع الواقع، أي أن عقلاً معيناً، وحساً معيناً، وشعوراً معيناً، وخيالاً معيناً، لا يصنعه إلا واقع معين، وبالتالي فإن صورة أو قصيدة معينة لا يصنعها إلا شرط حضاري معين، والإنسان هو صانعه ([3]) ومصدره بأمر الله وتقديره.

ب. ضيق المجال، وطبيعة الدراسة وكونها تطبيقية بشكل أساس، جعلها تتجاوز أموراً ذات علاقة نظرية وصلة عامة بموضوعها، ثم إني رأيت أن هذه الأمور قد درست كثيراً، وأن الدراسات النظرية قد أشبعتها بحثاً، كما أنني وجدت أيضاً أنها عند التطبيق لا تستقل بنفسها كثيراً.

ج. إن الصورة في شعرنا القديم تعتمد على الحواس بشكل أكبر، وعلى المؤثرات الخارجية، في تكوين جزيئاتها والتأليف بين عناصرها، ولعل ذلك سبب ما يوجد من تقريرية ومباشرة في تناول الشاعر القديم للأشياء.

ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يوجد في أدبنا القديم شعر عميق العاطفة، بعيد الخيال، نابع من أعماق ذاتية طاغية، بلى ولكن حتى في هذه الحالة نجد أن الشاعر يستمد أجزاء صوره من الخارج كثيراً، ويتأثر بالبيئة الإنسانية ومألوفاتها التعبيرية في صوغه لصوره، وليس في ذلك ثمة عيب أو نقص، غير أن تلك خصيصة لا ينبغي أن نغفل عنها.

Ÿ   خامساً: هذه المنهجية في تناول مصادر الصورة وموضوعاتها ( وخاصة اعتماد الإنسان المنبع الرئيس )، تجعلنا نعيش أكثر مع النص الشعري اليمني، ونطل من خلاله على بعض الخصائص الموضوعية والاجتماعية التي وجهت النص.

وأخيراً: فقد قمت بعملي هذا إرضاء لله تعالى، ثم أداء لجزء من الواجب علينا نحو عربيتنا، وشعرائنا الغابرين، وإسهاماً متواضعاً في كشف الغطاء عن جزء عزيز من تراثنا العربي عانى من الإهمال طويلاً.

فإن وفقت فذلك فضل الله وله وحده الحمد والمنة. ولأستاذتي المشرفة شكري الممتد، وثنائي العريض، ودعائي الخالص على جهدها الدؤوب ووقتها الثمين، وتدقيقها القليل النظير في القراءة والمتابعة والتوجيه والحث.

وإن تكن الأخرى فهذا هو جهد المقل، وتلك بضاعته المزجاة. وحسبي وعزائي شرف الغاية واستفراغ الوسع.

كما أتوجه بخالص شكري وامتناني للأستاذ الكبير هلال ناجي الذي فتح لي مكتبته العامرة فوفر علي بذلك عناءً كبيراً.

وكذلك للأخ محمد أحمد الزهيري، والأخ الدكتور أحمد القديمي، وكل الإخوة والزملاء، ومن وقف إلى جانبي أو قدم لي عوناً ومعروفاً.

ولأساتذتي الأجلاء، في قسم اللغة العربية ورئيس القسم وعميد كلية الآداب في الجامعة المستنصرية، وكذلك أعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة   صنعاء أخص بالذكر منهم د. طه غانم عميد كلية التربية السابق، ود. طاهر عبد الرحمن رئيس القسم الأسبق، ود. حسين الصالح المشرف الداخلي عليَّ أثناء وجودي في اليمن ورئيس القسم حالياً.

تلك وقفات يسيرات، ولكنها ذات عمق ـ مع الصورة لدى الشاعر العربي في اليمن، أعان الله عليها بفضله ـ فله الحمد على مبتدئها ومنتهاها، وعلى كل حال ـ نخلص منها إلى ما يأتي:

* في الباب الأول:

1.  مصادر الصورة وموادها الأولية كلها خارجية عبرت إلى الذهن والخيال بواسطة الحواس. أما الخيال والذهن فهما صانعا الصورة وبانياها، والمنسقان بين أجزائها. فهما كالنجار الذي يتناول الخشب القادم إليه من الغابة فيزخرفه ويخرجه بأشكال مختلفة جمالاً وتكويناً.

2.     الصور الإيجابية للمرأة في الشعر اليمني يدور أغلبها حول أوصافها المادية، بينما تغلب الصور السلبية على أوصافها المعنوية.

3.     لا نكاد نعثر لدى الشاعر اليمني على صورة إيجابية للزوجة، وصورها لديه نادرة على كل   حال.

4.     أكثر صور المرأة سلبية تلك التي ترتبط بصور الحرب وما ينبثق عنها.

5.  صورة المرأة ( المتغزل بها ) تحظى ببروز ووضوح لدى السلطان سليمان الحجوري ، لكنها موظفة لإبراز شخصية الشاعر وقدرته على توليه الغواني وجذبهن إليه ، قريباً مما نجده عند عمر بن أبي ربيعة .

6.  يحتل محمد بن حمير المرتبة الثانية بعد وضاح من حيث العناية بالصورة الغزلية، وكثرتها لديه، لكن صورة المرأة تظل ـ في الغالب ـ مستورة متوارية خلف شخصيته الطاغية.

7.     صورة الرجل في الشعر اليمني يغلب على أوصافها الجانب المعنوي.

8.  يغلب على الصورة الحربية لدى الشاعر العربي في اليمن الطابع الوصفي الصاخب، وإن رأيناه ـ أحياناً ـ يبدي في الصور المركبة ميلاً إلى الأساليب البيانية في الأداء، فأجواء المعركة، وما فيها من حركة وسرعة ، تؤدي إلى التركيز على المحور الحركي ، وما يتبعه من متغيرات .

9.  في إطار عدة الحرب تبرز صورة الخيل فائقة ما عداها بدرجات؛ لما يمثل وجودها من أهمية متميزة للمحارب في البيئة اليمنية المتباينة التضاريس ، والتي يغلب عليها التكوين الجبلي حيث لا يستطيع البعير القيام بدور كبير .

10.   الصورة الشعرية لدى عمرو بن معد يكرب تقودنا إلى نفسية ذات تفرد على المستويين العربي واليمني، فهو على شجاعته النادرة وقوته المعروفة نراه يعترف بالهزائم بغير تحسر ولا اكتراث، ويعترف بما جرى لنسائه السبايا وما ينزل به من ضعف من غير مواربة ، وذلك ما لم تعهده العرب كثيراً خصوصاً ممن هم في منزلة عمرو . كما أنه في المقابل صاحب دعاية إعلامية وامتلاء متضخم واعتزاز بالنفس والعشير لا يفتأ من وصف ذلك وشهره ونشره بوسائل قد لا تكون معتادة من أمثاله ، وهذا ما يقل لدى اليمني الذي اعتاد على دفن مواهبه والاستحياء من إبرازها ، إلا أن يعرفها الآخر ويشيد بها .

11.   تفرد السلطان الخطاب الحجوري بصور غريبة تدل على نفسية عجيبة التركيب ؛ لذلك أرى أن المنهج النفسي أنجح المناهج للتعامل مع الصورة لديه .

12.   من خلال الصور المصوغة في وصف آثار الحضارات اليمنية يمكن القول إن ديوان الشعر الحضاري اليمني يصلح أرضية خصبة لدراسة مدى التطور الحضاري العربي قبل الإسلام.

13.   ظهور أثر الثقافة الإسلامية على الصورة لدى الشاعر اليمني من خلال صور استلهمها من روح النص القرآني الشريف، ومن قصصه، وكذلك من خلال المديح النبوي، خصوصاً عند المتأخرين.

14.   جاءت الصورة عند علقمة بن ذي جدن مصبوغة بصباغ الحزن الممتد. أثر ذلك على بناء الصورة لدى اللاحقين ممن وصف الممالك اليمنية. تلك الصبغة التي صبغت بها الصورة لديه قادت إلى أمرين.

-         الأول: انحصارها في رثاء الممالك اليمانية الزائلة، حتى سمي بنواحة اليمن.

-         الثاني: كثرة الوضع عليه لسهولة ذلك.

15.   من خلال المقارنة بين الصورة لدى الأخوين الحجوريين ( سليمان والخطاب ) يتضح لنا بجلاء مقدار الأثر الكبير الذي تفرزه الثقافة الفكرية والأيديولوجية العقائدية في توجيه بناء الصورة لدى الشاعر. فكلا الشاعرين نشأ في نفس البيئة واتحدت لديهما كثير من عوامل التأثير، والمنابع المغذية، لكن سليمان كان سنياً لاهياً، والخطاب قرمطياً متشدداً، أفرز لنا ذلك شعراً متباين الصورة مختلف المذاق، منقطع الأواصر على أعمق ما يكون.

 

* في الباب الثاني:

1.     النمط الوصفي من الصور هو الغالب على الصورة في الشعر اليمني خلال هذه الفترة.

2.  الصورة الكلية القائمة على الحشد ميدانها الأول الغزل والرثاء، بينما ميدان الصورة الكلية القائمة على السرد يكاد ينحصر في صور الفخر، والاعتداد بالذات، وما أوتيته من قوة ومواهب.

3.     للسلطان سليمان الحجوري تميز ملحوظ بوفرة الصور الحسية القائمة على الشم والذوق على نحو لا نجده عند سواه.

4.  توظيف الصورة للتجسيد في غرض المديح يأخذ بعداً أعمق، وأكثر إيغالاً منه مع بقية   الأغراض، لعل مرد ذلك إلى التحكيك المسبق والتثقيف المتكرر.

5.     تقترن الصورة الساكنة لدى الشاعر اليمني بالوصف في الغالب الأعم؛ لتحرره من قيود الزمان.

6.     تبنى الصورة المتحركة على الفعل المضارع في غالب صورها.

7.     تتكئ الصورة الممتدة على المشتقات أو الفعل المضارع المفيد للاستقبال.

8.  اللون الأحمر يحتل المرتبة الأولى في الصورة القائمة على الألوان فيما بين أيدينا من الشعر اليمني؛ وذلك لأنه ألصق الألوان بحالتي الحرب والغزل المستأثرتين بمعظم الباقي من الشعر اليمني. وهو مع الغزل حسي نهم، ومع الحرب معنوي صاخب.

9.     لا تحظى الصورة الذهنية القائمة على التجريد بنصيب كبير من اهتمام الشاعر اليمني، أثر ذلك سلباً على قيمتها الفنية لديه.

لكن ذلك لا يعني خلو الشعر اليمني من صور رائعة تخلب اللب وتستهوي الفؤاد لأفذاذ الشعراء كالشهابي، وابن القم، والعندي، وابن هندي وغيرهم.

 

* في الباب الثالث:

 1.   يغلب على الصورة المسوقة للإقناع بواسطة الإزاحة والإحلال ـ لدى الشاعر اليمني ـ طابع التكثيف والإيجاز، خلاف المتوقع، والأصل المعهود.

 2.      يغلب في الصورة المسوقة لقصد الشرح والإيضاح أن تكون مركبة، ويقل كونها كلية، ويندر أن تأتي مفردة.

 3.      كثرة الحروب ومشاكل المجتمع صبغت صور الحكمة لدى الشاعر اليمني بالسلبية والتشاؤم واليأس.

 4.   تأخذ صور الحكمة عند الأفوه الأودي بعداً دقيقاً ـ يضع أيدينا على حكيم من طراز نادر ـ وشمولاً لمناحي الحياة لا نجده عند غيره ممن تعاطى الحكمة كزهير وغيره.

 5.      صورة الهجاء التقليدي، والسخرية اللاذعة، تكاد تكون من خصائص النجاشي الحارثي من بين شعراء اليمن.

 6.   على رغم كون الصورة لدى وضاح متخصصة في مجال الغزل؛ إلا أن ألفاظها تمتاز بتعدد الدلالات المحتملة، واكتناز المعاني والإيحاءات على نحو مكثف لا نجده عند غيره بنفس المستوى.

 7.      المبالغة والمجاز أهم العوامل المساعدة التي اعتمد عليها الشاعر العربي في اليمن لبناء صورة جديدة أو صياغة صور تجديدية.

 8.   كثيراً ما توجه الصورة لدى الشاعر العربي في اليمن لوظيفة تأجيج العصبية القبلية القائمة، ولم ينج من ذلك حتى الأجلاء الفضلاء كالهمداني ونشوان الحميري.

 9.      المجاز أبرز وسائل تكثيف الصورة لدى الشاعر العربي في اليمن.

 

وثمة نتائج أخرى مشتركة بين أبواب وفصول هذه الرسالة أهمها:

1.  الصورة الحماسية الحربية، ثم الصورة الغزلية هما الطاغيتان على الشعر اليمني الباقي بين   أيدينا، الأمر الذي اقتضى بعض الخصوصية في طريقة التناول، كما أن ذلك يعتبر أحد الأدلة على كثرة الشعر اليمني الضائع، الذي كان يشكل توازناً تقتضيه طبيعة الأشياء.

2.  ظلت الصورة لدى الشاعر العربي في اليمن محافظة على روحها التقليدية حتى آخر العصر العباسي وما طرأ عليها من تطور أو تجديد يظل جزئياً ومحدوداً؛ وسبب ذلك يعود إلى انعزال اليمن المبكر عن بقية الأمصار العربية، وانشغال أهلها بالصراعات الداخلية بين ملوكها وسلاطينها.

3.  تأخذ الصورة عند وضاح اليمن بعداً عاطفياً صادقاً وعميقاً ينفي عنها زيف الادعاء، واحتمال الانتحال لما تتميز به من رهافة الحس ورقة الشعور.

4.     تكشف لنا الصورة لدى عمارة اليمني عن شخصية يتجلى فيها صورة الوفاء العربي الأصيل، بغض النظر عن خطأ موقفه أو صوابه.

5.  جل ما بين أيدينا من الصور الشعرية صدرت عن الخاصة وأعيان المجتمع اليمني (ملوك وسلاطين ووزراء وقضاة وفقهاء) وهذا يعكس دلالات هامة كثيرة منها:

أ. القيمة الكبيرة التي يحتلها الشعر لدى الإنسان اليمني على اختلاف مستوياته، فكثير من هؤلاء في الأصل ليسوا أصحاب مواهب شعرية متميزة، وإنما تكبدوا القريض؛ لما يرون في ذلك من قيمة وتميز. ولذلك وبعد البحث والمقارنة يمكن أن نصل إلى نتيجة مفادها انه لم يحظ مصر عربي بملوك ووزراء وأعيان يتعاطون الشعر على نحو ما حظي به اليمن.

ب. أن الذاهب من الشعر العربي في اليمن كثير كثرة لا يستهان بها؛ فإذا كان جل ما بين أيدينا هو نتاج من ذكرناهم، وهم على جميع الاعتبارات أقل فئات المجتمع شعراً؛ فذلك يعني أن هناك شعر آخر، وكثير لم يصلنا.

ج. كانت المنزلة السياسية، والمكانة الاجتماعية التي يحتلها هؤلاء هي سبب حفظ نتاجهم   الشعري، لا قيمته الأدبية، أو مستواه الفني الرفيع؛ ولذلك كانت مصادره الأولى هي كتب التواريخ والتراجم. ولكن لا يعني هذا أن كل شعر هؤلاء قد حفظ، فقد عبثت العصبيات والصراعات المذهبية والسياسية وغيرهما بجزء كبير منه.

د. ذلك أيضاً يعلل لنا ما نجده من تقريرية، ووصف مباشر يطغى على الصورة لديهم؛ إذ أن جل شعر الشعراء المحترفين قد تعرض لآفات الزمن، ولو وصلنا لكان الأمر مختلفاً.

هـ. بروز التوجه السياسي والعصبية القبلية في صورهم الشعرية؛ لحاجتهم الكامنة في إذكاء ذلك لتجميع العامة من حولهم.

و. ندرة صورة الغزل الشاذ في الشعر اليمني؛ فأمثال هؤلاء لا يليق بهم ذلك، ولا يمكنهم لو أرادوا؛ لذلك استعاضوا عنه بالغزل المتقبل من أمثالهم.

ز. وهذا يعلل أيضاً ما رأيناه من طغيان صور الحماسة والحرب، وسائر ما يتعلق بها على جزء كبير من الصور الشعرية، ويعلل أيضاً قلة الصور الاجتماعية، التي تعالج حاجات العامة، أو تصب في محيطهم الذاتي. ولكن ذلك لا يعني عدم وجود صور يسودها العقل والحكمة، ونبذ الحرب، وإن كانت لا تقارن كثرة بتلك. وما نجده من هذه، فهو متأثر بالعامل الديني، وعامل التجربة الحياتية المريرة.

ح. أن هناك حاجة ماسة لبذل جهود إضافية كبيرة للوصول إلى نتاج الشعراء المحترفين المتواري في مخطوطات متناثرة هنا وهناك؛ لتتضح جماليات الصورة الشعرية في مستواها الفني الرفيع اللائق بالإنسان العربي القديم في اليمن الذي تعشق الشعر، وأحله من نفسه المحل الأرفع.

 

إلى كل هؤلاء أزجي خالص شكري وعرفاني، داعياً المولى القدير أن يمد في أعمارهم، ويجعلهم منارات علم وهدى، وموئل خير وبر وإحسان، وأن يجزيهم عني خير الجزاء.

ولله الحمد أولاً وآخراً وعلى كل حال وهو حسبي ونعم الوكيل .

 


([1]) ينظر : الصورة الشعرية في النقد العربي الحديث ، بشرى موسى صالح، المركز الثقافي العربي، بيروت ، الدار    البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1994م ، ص43 .

([2]) ينظر : مقالات في الشعر الجاهلي : يوسف اليوسف ، دار الحقائق ، ط4 ، 1985م ، ص299 .

([3]) ينظر : السابق ص290 .



عن اليمن.. أدلة تهمك قواعد بيانات خدمات تفاعلية

شروط الاستخدام  |  خدمات الموقع  |  تواصل معنا

Copyright © National Information Center 2014 All Rights Reserved

Designed By : Website Department