الرئيسية 
 عن اليمن 
 الحكومة اليمنية 
 معلومات قطاعية 
 عن المركز 
 خدمات الموقع 
نص إتفاق السلم والشراكة الوطنية
الموقع الفرعي الخاص بالسياحة
فيلم وثائقي عن المركز الوطني للمعلومات
">طباعة الصفحة خارطة الموقع الموقع الرئيسي / المحتوى المعلوماتي / اللغة والأدب

أساليب القصر في شعر المتنبي بين النحو والبلاغة

الباحث:  د / أحمد عبده مكرد أحمد العزعزي
الدرجة العلمية:  دكتوراه
الجامعة:  عدن
الكلية:  التربية
القسم:  اللغة العربية
بلد الدراسة:  اليمن
لغة الدراسة:  العربية
تاريخ الإقرار:  2006
نوع الدراسة:  رسالة جامعية
 

المقدمة :

يحمل شعر المتنبي أساليب لغوية وبلاغية كثيرة ومن أبرزها عندي أساليب القصر والتخصيص ، بما تنطوي عليه هذه الأساليب من مرام وأسرار بلاغية ثرة غزيرة ومتنوعة يرجع ثراؤها إلى تنوع أساليب القصر وما بينها من فروق دقيقة واعتبارات وملاحظات لطيفة، ومن تلبس المقصور والمقصور عليه للمعاني المجازية وعناصر تشكيل الصورة الفنية وتشابكهما مع الفنون البلاغية الأخرى ، ومن طريقة عرض هذه الأساليب عرضاً مؤثراً في ثوب مثير جذاب تستطيع من خلاله أن تفض مغاليق شخصية هذا الرجل وأن تلج عوالمها وأن تصل إلى تصويره لحياته بكل ما فيها من حركة لا تني ، ولا تهدأ وبما تخللها من بأس ، ورجاء ، وفرح ، وحزن ، ورضا وغضب ، وحرية وسجن . وألم ، وأمل. وعنف ، ولين . مع ما يتردد في قصائده من قوة متمردة ، ولهذا جعلت من أساليب القصر في شعره موضوعاً لأطروحتي.

والقصر من مباحث علم المعاني في البلاغة العربية ، وعلم المعاني يشرح – فيما يشرح-  نظرية (النظم) عند عبد القاهر الجرجاني ، لذلك كان الغرض الذي يؤديه القصر غرضاً جوهرياً رئيساً يتعلق بمعاني الجمل وأحوالها... وإذا كنا نبحث في شعر المتنبي عن المتنبي نفسه فليس مرادنا أحداث حياته أو قصة سيرته ، وإنما مرادنا خبر عقله وأحوال خواطره من خلال أساليب القصر ؛ لأن البحث في هذه الخواطر وفي هذه الأساليب هو نفسه البحث في أحوال المباني.

ومن الذائع المشهور أن الرجل قد اشتدت حوله الخصومة ، وثار من أجله الجدل ، ودارت في ميادين أشعاره المعارك وتكاثرت الدراسات التي تناولته بالنقد والفحص تكاثراً عظيماً . منذ القرن الرابع الهجري حتى اليوم ولكن مع تلك الكثرة التي تزاحمت على أدبه ونقده أصالته وتقليده فلا يزال شعر الرجل يتسع لدراسات أخرى خاصة في الجانب البلاغي الذي لم تمتد إليه أيدي الباحثين كثيرا. ومن ثم يجيء اختياري لهذا الموضوع (أساليب القصر في شعر المتنبي)إيمانا مني بجدوى مثل هذه الدراسات التي تتدارس شعر الشاعر. كونها تفتح الباب أمام بحوث أخرى تتناول الفنون البلاغية في نظم الرجل وتقدمها في صورة فنية جديدة لاستكمال حلقات البحث التي دارت حول شعر الرجل.

إن طريقة النظم عند صاحبنا تتميز بوضع الألفاظ في الموضع المحكم الذي لا يمكن أن تتقدم عنه ولا أن تتأخر . وهي محتفظة بالأداء الأمثل للمعنى مع الدقة المتفوقة في اختيار الأساليب ، وانتقاء الألفاظ ، لأداء ما يراد لها تأديته بحيث لاينهض غيرها في القيام بما تقوم به من توفية للمعنى ، وتنميته ، وتصويره ورسم الظلال والألوان من حوله حتى ولو اتفقت في الوزن والمعنى. وعلى هذا النحو تجد التركيب قد تلون عند الشاعر بلونه هو فصار أسلوب المتنبي هو المتنبي بما يتسم به من الأداء البليغ الذي يحتشد فيه أكبر قدر من مذخور اللغة ومتخيرها ومنتقاها.

إن قوة البناء الشعري عند الرجل لا ترجع إلى الموهبة الفنية التي ولد مزوداً بها. ذلك أن الاستعداد الفطري لا يخلق شاعراً فحلاً كالمتنبي. إلا إذا صادف نفساً طلعة . تعشق الشعر وترتبط بفنه ، وتتصل به ، وتنميه ، وتثريه . ثم إن العشق وحده لا يكفي إلا إذا تفجرت في تلك النفس العاشقة الملهمة قواها المخبوءة في عمقها والمستترة في داخلها ، التي تشكلها ، وتصوغها من الإدراك ، والإحساس والتصوير وسحر الأداء مما يبرز الخصائص الخاصة بفن الشاعر ، التي لا تشتبه بغيرها ، ولا تلتبس بسواها ، وهذه القوى كلها مع الثقافة الواسعة قد التقت في داخل المتنبي التقاء مباركا سعيدا ، واجتمعت في أعماقه اجتماعا موفقا ، وأثمرت فنه المتميز الذي كان معرضا تتجلى فيه قوة الفكر ، وروعة التخيل ، وسحر التعليق ، وشدة الأسر ، وطغيان الشعور ، وإحكام الأداء ، والذي تميز بالحدة ، والجزالة ، والابتكار ، والإباء ، والرفض والثورة والنزوع إلى غاية لم ينزع إليها غيره من الطموح والكبرياء والعظمة . والفخر والكفاية والذكاء.

وقد لازمني ديوان الرجل بالشرح المنسوب للعكبري ورافقني في هذه الدراسة منذ أن ابتدأت البحث حتى انتهيت منه ، وكأنه المصدر الأساسي له.

والبحث مقسم على مقدمة وستة فصول وخاتمة.

الفصل الأول : في مصطلحات القصر ومصادره . وله مبحثان : الأول : في مصطلحات القصر. والثاني : في مصادر القصر. وقد تابع البحث في هذا الفصل تطور أساليب القصر منذ أن كانت جذورا بعيدة في حقل الدراسات اللغوية والنحوية عند سيبويه ( ت 180هـ) والفراء (ت 207هـ) وابن جني (ت 393هـ) ، ومضى يتعقبها في رحلة التطور والنماء إلى أن وصلت إلى الإمام عبد القاهر الجرجاني ( ت 471هـ) فوقف بها عنده وأطال الوقفة واستهدى برأيه في تفسير معنى النظم والتأليف ثم تابعها عند الزمخشري ( ت 538هـ) والفخر الرازي (ت 606هـ) ثم السكاكي (ت 626هـ) والخطيب القزويني ( ت 739هـ) إلى أن استكملت حلقاتها.

 

والفصل الثاني  في أسلوب القصر بالنفي والاستثناء في الجملة الاسمية . وله مبحثان : الأول : قصر  المبتدأ على الخبر . والثاني : قصر الخبر على المبتدأ وقصر المبتدأ والخبر على القيود. وقد درس البحث في هذا الفصل ثلاثة وعشرين شاهدا شعرياً تمثل ثلاث هيئات تركيبية للقصر.

 

أما الفصل الثالث فكان في أسلوب القصر بالنفي والاستثناء في الجملة الفعلية . وله مبحثان : الأول : قصر الفعل على الفاعل وعلى المفعول به الأول وعلى المفعول به الثاني وعلى المفعول لأجله. والثاني : قصر الفعل على الجار والمجرور وعلى الظرف وعلى الحال وعلى النعت. وقد درس البحث في هذا الفصل ثمانية وعشرين شاهدا شعرياً تمثل ثماني هيئات تركيبية للقصر.

 

وكان الفصل الرابع وقفاً على أسلوب القصر بإنما . وله مبحثان : الأول : أسلوب القصر بإنما في الجملة الاسمية ، قصر المبتدأ على الخبر + قصر الخبر على المبتدأ . الثاني : أسلوب القصر بإنما في الجملة الفعلية ، قصر الفعل على الفاعل + قصر الفعل على المفعول به + قصر الفعل على الجار والمجرور + قصر الفعل على الظرف + قصر الفعل على المفعول لأجله + قصر الفعل على الحال + قصر الفعل على المفعول المطلق. ويدرس البحث في هذا الفصل خمسة وعشرين شاهداً شعرياً تمثل تسع هيئات تركيبية للقصر.

 

واستوفى الفصل الخامس أسلوب القصر بالعطف . وله مبحثان : الأول : أسلوب القصر بالعطف في الجملة الاسمية ، قصر المبتدأ على الخبر + قصر المبتدأ والخبر على القيود . الثاني : أسلوب القصر بالعطف في الجملة الفعلية ، قصر الفعل على الفاعل + قصر الفعل على الجار والمجرور + قصر الفعل على الحال + قصر الفعل على المفعول لأجله + قصر الفعل على النعت. ويدرس البحث في هذا الفصل ثمانية عشر شاهداً شعرياً تمثل سبع هيئات تركيبية للقصر.

 

وكان الفصل السادس في أسلوب القصر بتقديم ما حقه التأخير . وله مبحثان : الأول : أسلوب القصر بتقديم ما حقه التأخير في الجملة الاسمية ، القصر بتقديم المسند على المسند إليه + القصر بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي . الثاني : أسلوب القصر بتقديم ما حقه التأخير في الجملة الفعلية ، قصر الفعل على المفعول به + قصر الفعل على الجار والمجرور + قصر الفعل على الظرف + قصر الفعل على المفعول لأجله + قصر الفعل على المفعول المطلق + قصر الفعل على الحال. وتناول البحث في هذا الفصل عشرين شاهداً شعرياً تمثل ثماني هيئات تركيبية للقصر .

 

وفي الفصول (2- 6) تابع البحث ارتباط أساليب القصر بنسق النظم التي وردت فيه وتفاعلها معه والتحامها به ، وغرض المتكلم من القصر ، وحال المخاطب التي وقف عليها المتكلم فأحدث القصر ، ونوع القصر باعتبار طرفيه ، وأحوال  المقصور  والمقصور عليه من تقديم وتأخير وتعريف وتنكير وذكر وحذف ، وأدوات التعليق ، والفروق الدلالية بين أساليب القصر ، وتلبس المقصور والمقصور عليه للمعاني المجازية ومعانقتهما للألوان البلاغية الأخرى.

وأما المنهج الذي بنيت عليه أطروحتي فهو منهج وصفي تحليلي ، حاولت عبره التخلص – ما أمكنني – من جملة من الظواهر السلبية التي شاعت في كثير من الدراسات النحوية والبلاغية والأسلوبية المعاصر :

أولها: الجزئية بدلاً من الشمولية.

ثانيها: التأمل النظري المجرد.

ثالثها: الانطباعات الذاتية العابرة بدلاً من التطبيق المستند إلى أسس نظرية وأنظمة لغوية محددة.

وقد مكنني هذا من إعطاء صورة متكاملة لظاهرة نحوية بلاغية أسلوبية تتداخل أنظمتها وقوانينها في شعر المتنبي على نحو يسترعى الانتباه بما أنتج نصوصاً شعرية لها من الإيقاع والتنغيم والدلالات والصور ما يتفرد به شعر المتنبي.

ولما كانت جملة القصر في عمومها مبنى يحمل معنى تاماً يخضع للتصنيف والتحليل اللغوي وكانت أساليب القصر فيما بينها تفترق في الدلالات ضروباً شتى ، فقد وجهت عنايتي إلى مبنى جملة القصر تركيباً وتحليلاً وتقسيماً ،وتركزت هذه العناية في الآتي:

أولاً: درست العلاقات التي تنشأ بين الكلمات والمركبات في سياق التركيب الجملي عند القدماء ( علاقة الإسناد ، علاقة التقييد ، علاقة الإيضاح ، علاقة الإبدال ، علاقة التأكيد والتقوية ، علاقة الظرفية ، علاقة السببية والعلية ، علاقة المفعولية) وهذه العلاقات وأمثالها هي ما يتوخاه المتكلم ويحرص على أن يعبر من خلالها عن المعاني والأفكار المجردة لتتحول إلى معان نحوية تصل إلى المتلقي فيدرك من هذه المعاني النحوية الكامنة في هذه العلاقات المعاني والأفكار المجردة التي أراد المتكلم توصيلها إليه. وفي ضوء هذه العلاقات وضعت تصوراً جديداً لهذه العلاقات يحصرها في خمس علاقات سياقية كبرى ( علاقة إسناد ، علاقة تخصيص ، علاقة نسبية ، علاقة تبعية ، علاقة مخالفة) وسميتها بالقرائن المعنوية.

ثانياً: درست تقسيم القدماء للمركبات ( الإسنادي ، التقييدي ، غير الإسنادي ، غير التقييدي) فوجدت أن هذا التقسيم – على حسب ما أرى – غير شامل للهيئات التركيبية ، وفي ضوئه وضعت تصوراً جديداً للمركبات يعتمد على الواقع اللغوي الذي تمليه عناصر المركبات ، يحصر المركبات في ثماني هيئات تركيبية ( المركب الفعلي الإسنادي) (المركب الاسمي ويشمل المركب الاسمي الإسنادي ، المركب الاسمي الإضافي ، المركب الاسمي التمييزي، المركب الاسمي النعتي) ، (المركب الوصفي ويشمل المركب الوصفي الإسنادي، المركب الوصفي الإضافي)، (المركب الموصولي ويشمل: مركب الموصول الاسمي ، مركب الموصول الحرفي) ، (المركب المصدري) ، (مركب الخالفة) ، (مركب الجار والمجرور) ،(المركب الظرفي).

ثالثاً: درست أنواع الجمل عند القدماء والمنطلقات التي استندوا إليها في تحديد أنواع الجمل ، (المنطلق الوظيفي العام – المنطلق التركيبي – منطلق موقعية الجملة) ، وفي ضوء هذه المنطلقات وضعت تصوراً لأنواع الجمل قائماً على الوصف التركيبي ، يحصر الجمل في ستة أنواع رئيسة : (الجملة البسيطة) ، (الجملة الممتدة) ،(الجملة المزدوجة أو المتعددة) ، (الجملة المركبة) ، (الجملة المتداخلة) ، (الجملة المتشابكة).

رابعاً: قسمت أساليب القصر إلى هيئات تركيبية متخذاً من اختلاف الموقع الإعرابي للمقصور عليه (مسند إليه ، مسند ، مفعول به ، مفعول لأجله ، مفعول فيه ، مفعول مطلق، تمييز ، حال ، نعت ، معطوف ، مستثنى ، جار ومجرور) مقياساً ثابتاً لهذا التقسيم.

خامساً: قسمت هيئات القصر التركيبية إلى أنماط ( وحدات صغرى) متخذاً من الأحوال التي يرد عليها المقصور والمقصور عليه ( التعريف والتنكير ، التقديم والتأخير ، الذكر والحذف، الإطلاق والتقييد) مقياساً لهذا التقسيم.

الخاتمة :

بعد رحلة علمية مع أساليب القصر في شعر المتنبي ، هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، أستطيع أن أطمئن إلى أن الجانب الأكبر من هذه الأساليب يعود إلى أصل نفسي ، إذ أن الشاعر لم يستعمل هذه الأساليب اعتباطاً ، وإنما اضطر إلى استعمالها اضطراراً مدفوعاً بكثرة عداواته وخصوماته ، والتباين بين الناس في وجهات النظر ، ثم الاختلاف في مقامات الأقوال والإخبار ، ولو أن الناس يتفقون فيما يقررونه من أحكام ، لما كان من البلاغة أن نأتي بهذه الأساليب . ومن هنا كانت أساليب القصر في شعر المتنبي هي المتنبي نفسه بعمق إحساسه بالأشياء ، وسعة خياله ، ورحابة تفكيره ، وقوة أدائه ، وسبك أسلوبه وجزالة ألفاظه ، وتلاحم نظمه ، وجودة تأليفه ، وحدة نفسه ، وثورة وجدانه ، وفيضان مشاعره، وتمرد روحه ، وعنف حركته ، ورفضه لوضعه ، وتفاعله مع تجربته . وهذا ماثل فيما توارد عليه من الحزن والفرح ، والألم والأمل والحب والبغض والرضا والغضب . ومن هنا أيضاً جاءت هذه الأساليب متنفساً لرغباته ، وتمثيلاً لشعوره ، وتلبية لمتطلباته ، فهو يسكنها نفسه ، ويعبر عما يختلج فيها ويتردد في عمقها وداخلها من دقة بارعة ، وتحليل كاشف.

وأساليب القصر إنما هي صور تركيبية منظومة في سياق ويجب أن ينظر إليها من خلال السياق الذي انتظمت فيه ، وقيمتها الفنية تنبع من رؤيتها رؤية شاملة مع جاراتها ودراساتها في إطار مجموعة العلاقات التي تربط الكلام بعضه ببعض وتجعل له هيئة خاصة، وسمة واضحة مع عدم التقليل من دور اللفظ المفرد المكون لطرفي القصر أو الواقع في دائرته وطرحه من الحساب؛ لأن دراسة هذا اللفظ من خلال السياق والتركيب يعطيه قدراً أكبر من الأهمية بعد اكتشاف قيمته ومكانته في التركيب الذي يتفاعل مع بقية أجزائه ويأخذ منه ويضيف إليه. وعلى هذا النحو تتحدد ملامح وقسمات التعبير القصري أو التخصيصي الذي ينبعث من قدرة المنشئ على تحديد المعاني بهيئاتها ، وأشكالها وظلالها، وترتيبها في النفس. ثم نقلها بما تذخر به من عبارات بحسن ترتيبها ، وبنسق دلالتها ، وبفنن تلوينها ، وجميل ايقاعها بعيداً عن التصنع والافتعال ، وبحيث يكون ما فيها من حسن نابعاً من داخلها وواقعاً تحت دوافع الإفصاح عن أمور معنوية جاءت التراكيب لتبينها، وتكشف عن أسرارها ، وتجعل لها هيئة لا تكون لغيرها.

وقد رأى البحث أن أساليب القصر طافت مع الشاعر في كل أغراض الشعر ، وجعل منها  معرضاً فنيا لعواطفه وشعوره ونفسه التي صورها من خلال تصويره لغيره وجعل الكون بما فيه من ليل ونهار وشمس وقمر ،وبحار وأنهار وإنسان وحيوان ووحش وطير ونجاد ووهاد وجبال وصحراء وأرض وسماء ،ومن النفس بكل أغوارها وعمقها وأنانيتها وطمعها وطموحها ورغباتها وآمالها وأحلامها وعقدها، وبكل ما يتوارد عليها من الثنائيات المتقابلة والمتضادة كالشقاء والسعادة والسرور والحزن مصدراً ينسج منها صور القصر التي سكب عليها من إحساسه ولونها بلونه وزاوج فيها بين الفكر والعاطفة والواقع والمثال ، وهكذا نقل الكون من خلال رؤيته هو ،وجاءت صور القصر صوره هو في المجردات والمعنويات كالموت والحياة تمثيلاً لفلسفته التي يعيشها والتي كانت من أسباب إجادته، كل هذا من خلال دراسة بلاغية تحليلية تبرز ما في التعبير من قيم ، وتربطه بنفس المنشئ .

ورأى البحث أيضاً أن المقصور والمقصور عليه في شعر الرجل يتعانقان مع الفنون البلاغية الأخرى في دقة وإحكام ، وتظهر قيمة النظم من خلال حسن التصرف في التركيب ووضع كل كلمة في المكان الأحسن والأمثل الذي يقتضيه النظم والتي تفصح وهي في موضعها هذا عن الهيئات والأسرار التي تريد تبيانها والكشف عن توصيلها مما هو مطوي داخل التركيب . ويراد تجليته وكشفه وبعثه ويتجلى ذلك بوضوح في أنه يتعذر عليك إن لم يكن يستحيل أن ترفع كلمة وتضع مكانها أخرى حتى مع اتفاقها معها في المعنى والوزن أو تقديمها أو تأخيرها عن موضعها التي وضعها الشاعر فيه وتبقى للكلمة دلالتها التي أرادها منها وعطاؤها التي تثري به الموقف وتنميه. وقد تابع البحث المقصور والمقصور عليه من خلال معانقتهما للفنون البلاغية الأخرى من تشبيه مفرد وتشبيه تمثيل وتشبيه ضمني واستعارة ومجاز عقلي ولغوي وكناية ، وتابع حلولهما مواقع المسند والمسند إليه والقيود وما يطرأ عليهما من أحوال في التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر، والفصل والوصل ، وأسلوب الإنشاء الذي كثر في نظم الرجل حتى يكسر الرتابة ويذيب الجمود ويبعث الهمة واليقظة والنشاط وغير ذلك من البحوث التي أظهرت أن حسن التأليف والنظم عند الشاعر جعلت لتراكيب القصر تميزاً وتفرداً.

وتناهى البحث إلى أن صور القصر وأساليبه في شعر الرجل إنما تتفاعل مع السياق وتحيا من خلال علاقات وارتباطات بينها وبينه وتنمو في جو نفسي وشعوري ، ومن الواضح أن الحركة تشيع فيها إذ يظهر احتفاء الشاعر بها احتفاء يبلغ الغاية خاصة في سيفياته وحربياته وليس في ذلك ما يتناقض مع حياة الرجل بل إن ذلك يرجع ويعود إلى طبيعته المتحركة الجوالة التي تأنف السكون ، وترفض القعود وهو يسجل تلك الحركة في قوتها أو ضعفها أو هدوئها أو ضجيجها وصخبها، في سرعتها أو بطئها ، مما يساعد في النهاية على تشكيل الصورة الكلية التي تتكون من صور جزئية تتجمع كلها حول فكرة هي كالأم لها تلتف شارحة وموضحة وترتبط ببعض بخيط نفسي وشعوري وتتلاقى  لتقدم في النهاية تفسيرا للفكرة الأصل التي دارت من حولها كل الفروع بما تحتوي عليه من دلالات لغوية وقيم تعبيرية وشعورية نفسية وصوتية .

والرأي أن المتنبي جعل من المقصور والمقصور عليه أداة جمالية لخياله ، ومعرضاً فنياً لأفكاره وعواطفه ، واتخذ من ملكة الخيال الإبداعي وسيلة فنية لهندسة طرفي القصر هندسة تزاوج بين العقل والعاطفة والانفعال والإحساس والمادة والحلم والواقع والخيال والمختلف والمؤتلف والثابت والمتحول.

وربما توصلت هذه الدراسة إلى الكشف عن شغف المتنبي بالتصوير الخيالي من خلال عدم اكتفائه بتصوير المظهر الخارجي للأشياء المنظورة ، فحسب ، بل من خلال مزجها بنفسه وبحواسه وبمدركاته العقلية ، بحسبان هذه الأشياء سجلات للمشاهدة أو منبهات للانفعال.

وربما مال المتنبي إلى التعقيد اللفظي والمعنوي في أساليب القصر وأكثر من اصطياد شوارد اللغة وتحريه للغريب الوحشي والفصيح النادر ، ومن حشد بعض الأساليب بمواد اللغة القديمة وبألفاظ البداوة الشاذة ... وربما احتفلت أساليبه بالمبالغة وأحياناً بالغلو ، ومع ذلك جاءت أساليب القصر شاهدة على ثراء مادته وامتلاكه للغة حية قوية مرنة.

إن مجال دراسة مكونات التراكيب اللغوية في شعر الرجل مجال فضفاض وآسع . إذ أن تنسيق الجملة وبناءها وربطها مع غيرها ودراستها من خلال هذا الربط وطرق صياغتها كل هذا يجب أن تتوفر له مجموعة من الباحثين يبدأ كل منهم من حيث انتهاء الآخر حتى يتوصلوا إلى نتائج محققة في هذا الميدان.

وإذا كان هذا البحث يتقدم في استحياء إلى لجنة علمية موقرة تعتلى منصة الأستاذية وتتسلم ذروة الريادة في مجالات العلم والثقافة واللغة والبلاغة والنقد فلها بحكم ريادتها وثقافتها وخبرتها القدرة على أن تضع يدها على النتائج الكامنة في مطاوي البحث وعلى ما أثار من قضايا على أنني لن أغفل الإشارة إلى أكثر النتائج ظهورا مما يعد كالعلامة التي توضع على أول الطريق لتهدي السائرين إلى نهايته.

 

ومن أهم نتائج البحث ظهوراً الآتي :

1- القصر أحد الأساليب البلاغية التي يقتضيها المقام ، ويدعو إليها حال المخاطب ، فهو من هذه الجهة لا يختلف عن الأساليب الأخرى كالحذف والذكر ، والتقديم والتأخير ، والتعريف والتنكير ، فإذا كان لكل من هذه أسبابه الداعية إليه ، فإن القصر كذلك إنما يؤتى به عند الحاجة ، وعندما تكون هناك ضرورة ... والقصر من مباحث علم المعاني في البلاغة العربية الذي يشرح نظرية ( النظم) عند عبد القاهر الجرجاني ، لذلك كان الغرض الذي يؤديه غرضاً جوهرياً رئيساً يتعلق بمعاني الجمل وأحوال بنائها.

2- مصطلح (النظم) لم يكن مقصورا لدى عبد القاهر الجرجاني على المستوى الفني من اللغة ، فالنظم في نظره هو تشكيل الدلالة التركيبية للكلام ، تلك الدلالة التي تكون تقريرية مجردة تارة وفنية تصويرية تارة أخرى.

3- القصر بالأدوات ( النفي والاستثناء – إنما – العطف) ليس – في ذاته – معنى فنياً بلاغياً ، وإنما هو معنى نحوي وظيفي ، لأن كل أداة من تلك الأدوات لاتفيد معنى القصر بذاتها بل تفيده وظيفياً في الجملة التي تقترن فيها ، وهذا معناه أن هذه الأدوات تشير إلى الدلالة النمطية على المعنى وهي الدلالة المباشرة ، أو على حد تعبير عبد القاهر " دلالة اللفظ على المعنى" تلك التي تتمايز في نظره عن الدلالة الفنية أو " دلالة المعنى على المعنى" ، وهنا نشير إلى أن دلالة أدوات القصر هي تلك الدلالة النمطية المباشرة ، بمعنى أن أساليب القصر في رأي عبد القاهر لا تكتسب مزيتها بمجرد معنى القصر ، بل بما يستتبعه هذا المعنى من معان أخرى تتفاعل بها مع سياقاتها الخاصة.

4- تقديم ما حقه التأخير الذي يفيد القصر – في نظر البلاغيين – هو التقديم الجائز، أي تقديم ما يجوز تأخيره ، ويكون هذا التأخير هو " الأصل" في نظام اللغة ، أي أن أسلوب التقديم يكون – حينئذ – أسلوباً متخيرا ، ومن ثم فإن القصر الذي يستفاد منه يكون معنى فنيا لا وظيفياً.

5- لا يجاء بالقصر إلا حينما يكون هناك داع من إنكار المخاطب للحكم موضوع جملة القصر أو جهلة بهذا الحكم ، وقد يجاء به كذلك لتنبيه المخاطب إلى قضية حري به أن لا يغفل عنها.

6- جملة القصر في قوة جملتين ، لذلك فهي تتضمن حكمين مختلفين في الإيجاب والسلب ، على خلاف " الأصل" في كل جملة أن تتناول حكما واحد ، حكما بالإيجاب الغاية منه إثبات الحكم الذي يرتئيه المتكلم ، وحكما بالنفي الغاية منه نفي الأحكام التي تخالف ما يرتئيه المتكلم.

7- المخاطب بإسلوب القصر لا يخلو أن يكون واحدا من ثلاثة : إما أن يكون معتقداً عكس الحكم الذي أثبتته جملة القصر ، أو شاكا في هذا الحكم ، أو معتقداً الشركة بين اثنين أو أكثر في هذا الحكم.

8- يعد القصر في شعر الرجل من السمات الأسلوبية الخاصة بالمتنبي ، تلك السمات التي كثرت في شعره وترددت فيه كثيراً كاستخدامه لبعض الألفاظ التي استخدمها كثيراً وعرفت به ، مما يعكس قدرته على تملك أدوات اللغة وتوظيفها توظيفاً فنيا لا يخرج عن الغرض الذي جاءت فيه ، لقد زاوج بين العقل والعاطفة وبين الفكر والخيال ، وأن الرجل على الرغم من قدرته الفكرية الفذة يمتلك طاقات تعبيرية جبارة لا تتوفر إلا له ولمن هم على طرازه من الشعراء المبدعين . ودلل على ذلك من واقع الشعر ذاته ، فقد شاع في تراكيب القصر عنده التشبيه الضمني والتشبيه المركب وكثرت فيها الألوان البيانية وخاصة الاستعارة والمجاز بما له من صياغة عجيبة واتقان محكم.

9- استعمل المتنبي أسلوب القصر بالنفي والاستثناء في مائة وثمان وسبعين جملة، درس البحث إحدى وخمسين جملة منها في الفصلين الثاني والثالث... وإيثار القصر بهذا الأسلوب دليل على أن الشاعر يواجه مخاطباً منكراً أشد الإنكار أن يكون الحكم موضوع جملة القصر على ما يقوله ؛ لأن القصر بالنفي والإثبات لا يكون إلا في الأمر المجهول الذي ينكره المخاطب ويشك فيه ويدفعه بشدة ، أو في الأمر المعلوم المنزل منزلة الأمر المجهول ، فهذه الأداة لا تستعمل إلا في المعاني القوية الثائرة والنبرات الحادة والأمور الغريبة.

10- استعمل المتنبي أسلوب القصر بإنما في سبع وخمسين جملة ، درس البحث خمساً وعشرين جملة منها في الفصل الرابع ... ويحتل القصر بإنما المرتبة الرابعة في الاستعمال. والقصر بإنما دليل على أن الشاعر في هذه الجمل أراد تصحيح معتقد أو ظن يذهب إلى نقيض المفهوم من جملة القصر ؛ لأن إنما لا يوتى بها إلا للرد على من يعتقد نفي ما أثبته بها ، وإنما تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره ، وهي أداة هادئه لاتستعمل إلا في المعاني الواضحة التي لا ينكرها المخاطب ولا يجهلها.

11- استعمل المتنبي أسلوب القصر بالعطف في تسع وستين جملة ، درس البحث ثمانى عشرة جملة منها في الفصل الخامس .. ويحتل القصر بالعطف المرتبة الثالثة في الاستعمال ، ودلالته على القصر نص على المثبت والمنفي معا ، ولا يترك النص على المثبت والمنفي في هذا الأسلوب إلا كراهة الإطناب في مقام الإيجاز ، ويعد أسلوب القصر بالعطف أقوى أساليب القصر وأكدها ، لأن غيره من الأساليب لايصرح فيها بالنفي بل يفهم ضمناً.

12- جاء تقديم ما حقه التأخير مفيداً للقصر بدلالة السياق في مائة وتسع وثلاثين جملة ، درس البحث عشرين جملة منها في الفصل السادس ... ويحتل القصر بالتقديم المرتبة الثانية في الاستعمال بعد النفي والاستثناء ، ودلالته على القصر ليست دلالة وضعية وإنما هي دلالة تذوقية تفهم من فحوى الكلام وسياقاته وقرائن أحواله.

13- درس البحث مائة وأربع عشرة جملة تفيد القصر من أصل أربع مائة وثلاث وأربعين جملة ، مثلت خمساً وثلاثين هيئة من هيئات القصر التركيبية وأربعة من أساليب القصر فقط هم: أسلوب القصر بالنفي والاستثناء ، أسلوب القصر بإنما ، أسلوب القصر بالعطف، أسلوب القصر بالتقديم .

14- قصر المتنبي الموصوف على الصفة في تسع وخمسين جملة ، وقصر الموصوف على الصفة يدل على أن الموصوف لا يتجاوز الصفة المقصور عليها إلى صفة أخرى أصلاً إذا كان القصر حقيقياً أو إلى صفة معينة إذا كان القصر إضافياً ، ويدل كذلك على أن الموصوف قد بلغ الغاية ، ووصل حد الكمال والنهاية في تلك الصفة ، وهذا لا يمنع أن تكون تلك الصفة المقصور عليها وصفاً لموصوف آخر غير المقصور عليه.

15- قصر المتنبي الصفة على الموصوف في خمس وخمسين جملة ، وقصر الصفة على الموصوف معناه ألا تتجاوز الصفة ذلك الموصوف إلى موصوف آخر أصلاً ، إذا كان القصر حقيقياً ، أو إلى موصوف آخر معين إذا كان القصر إضافياً ، ولا يمنع هذا النفي أن يكون ذلك الموصوف موصوفاً بصفة أخرى غيرها.

16- قصر المتنبي المقصور على المقصور عليه قصراً حقيقياً تحقيقياً في أثنتي عشرة جملة، والقصر الحقيقي التحقيقي ما كان المنفي فيه عاماً يتناول كل ماعدا المقصور عليه من حيث واقع الحال وحقيقة الأمر ، فالنسبة الكلامية في العبارة تطابق النسبة الخارجية في الواقع الموضوعي مطابقة تامة.

17- قصر المتنبي المقصور على المقصور عليه قصراً حقيقياً إدعائياً في ست وعشرين جملة ، والقصر الحقيقي الإدعائي معناه أن يختص المقصور بالمقصور عليه ، وينفي عن كل ما عداه ، مما هو بسبيل منه نفياً يقوم على المبالغة والتجوز ولا يقوم على المطابقة الحقيقية للواقع الموضوعي ، أي أن النسبة الكلامية في العبارة لا تتطابق مع النسبة الخارجية في الواقع الموضوعي مطابقة دقيقة؛ لأن فيها فضل تزيد ومبالغة.

18- قصر الشاعر المقصور على المقصور عليه قصراً إضافياً من باب إفراد الحكم في أربع وعشرين جملة ، وقصر الإفراد معناه تخصيص أمر بأمر دون آخر ، ويخاطب به الشاعر من يعتقد بثبوت الجملة ويضيف إلى هذا ثبوت ما نفته ، أي من يعتقد الشركة بين اثنين أو أكثر في الحكم موضوع جملة القصر .

19- قصر الشاعر المقصور على المقصور عليه قصراً إضافياً من باب تعيين الحكم في سبع عشرة جملة ، وقصر التعيين معناه تخصيص أمر بأمر دون آخر ، ويخاطب به الشاعر من لايعرف على وجه الدقة والتحديد من ثبت له الحكم موضوع جملة القصر، أهو المقصور عليه أم غيره.

20- قصر الشاعر المقصور على المقصور عليه قصراً إضافياً من باب قلب الحكم في خمسين جملة ، وقصر القلب معناه تخصيص أمر بأمر مكان آخر ويخاطب به الشاعر من يعتقد نفي ما أثبتته الجملة ، وإثبات ما نفته ، أي من يعتقد عكس ما أثبتته الجملة.

21- ولعل من النتائج المهمة التي خلص إليها البحث الوقوف على أنماط تراكيب القصر في شعر المتنبي ، تلك التراكيب التي تعيش ضمن علاقات ، وتتأزر مع بقية التراكيب الأخرى ، مما يساعده على تقديم ألوان مختلفة من المعاني والعواطف والإيحاءات من خلال نموها في وسط نفسي ، مما يفضي إلى مزيد من التنظيم والتنسيق والتماسك . والحق أن المتنبي لم يكن – في تراكيب القصر – واصفاً لانفعاله بقدر ما كان معبراً عن هذا الانفعال بصورة تجمع إلى جانب الإحساس النفسي إحساساً بالرؤية الجمالية.

وأخيراً أرجو الله أن يحقق بهذا العمل نفعاً

إنه نعم المولى ونعم النصير



عن اليمن.. أدلة تهمك قواعد بيانات خدمات تفاعلية

شروط الاستخدام  |  خدمات الموقع  |  تواصل معنا

Copyright © National Information Center 2014 All Rights Reserved

Designed By : Website Department