الرئيسية 
 عن اليمن 
 الحكومة اليمنية 
 معلومات قطاعية 
 عن المركز 
 خدمات الموقع 
مؤتمر الحوار الوطني الشامل
الموقع الفرعي الخاص بالسياحة
فيلم وثائقي عن المركز الوطني للمعلومات
">طباعة الصفحة خارطة الموقع الموقع الرئيسي / المحتوى المعلوماتي / اجتماع

التنمية البشرية والنمو السكاني في الجمهورية اليمنية

الباحث:  عبد الحكيم عبد الله علي البذيجي
الدرجة العلمية:  ماجستير
تاريخ الإقرار:  2003
نوع الدراسة:  رسالة جامعية
 

الملخص:

تُعد التنمية البشرية ومشكلات السكان من الأولويات الهامة إذا لم تكن الأهم أمام دول العالم بشكل عام والدول النامية بشكلٍ خاص. فالإنسان أثمن رأس مال وأغلى ثروة في هذا الكون والاهتمام به وبنائه من أصعب وأعقد المشكلات التي تخطط لها مختلف الأنظمة وكذا المنظمات الدولية المختلفة.

فبناء الإنسان يحتاج إلى عناء كبير من تربية وتعليم وتثقيف وتوفير سبل عيش مناسبة, من تغذية ومياه ورعاية صحية وتعليم وسكن وصرف صحي وإنارة..الخ. وهذا لا يمكن تحقيقه لملايين البشر دون تخطيط سليم وتحديد دقيق للمراحل والأهداف والمهام,  وحشد للموارد الضرورية وتعبئتها وتحديد مصادرها المضمونة بدقة, واستغلال طاقة الإنسان بحسب ما تم إعداده وبنائه لأجله. فهناك دول متطورة لا تملك ثروات معدنية ولا أرضاً شاسعة لكنها تملك عقولاً أُعدت إعداداً جيداً، لذا فهي من أغنى دول العالم.

إن السكان والتنمية في ترابط دائم ووثيق يؤثر أحدهم بالأخر سلباً وايجاباً.

فالتطور في النشاط الاقتصادي بمختلف أشكاله يعكس نفسه على السلوك الديمغرافي لنمو السكان بما يتلائم معه. فعندما تكون المتغيرات الهيكلية والاقتصادية سريعة وفاعله وتواكبها تغيرات اجتماعية مواتيه, فإن المجتمع يستطيع أن يستوعب النمو السكاني ضمن ميكانيزم التقدم الاقتصادي. وحينما يحدث اختلال بين النمو السكاني الكبير والنمو الاقتصادي المتواضع, تبرز مشكلة البطالة وتدهور مستوى الغذاء والمعيشة ومرافق الخدمات الاجتماعية, وتتسع رقعة الفقر, ويزداد عدد السكان نمواً وحينها قد يشكل هذا النمو عقبة أمام التنمية. من ذلك المنطلق تحدد موضوع بحثنا هذا في دراسة العلاقة بين التنمية البشرية والنمو السكاني في الجمهورية اليمنية خلال الفترة 1990 - 2000م.

إنَّ التتبع التاريخي للنظريات والمفاهيم المختلفة التي تناولت هذا الموضوع على المستوى العالمي توضح أنه لم يكن لمفهوم التنمية البشرية حضوراً في تاريخ الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية حتى عقد تسعينات القرن العشرين. فقبل ذلك ساد مفهوم "الرفاه" في خمسينات القرن العشرين تبعاً للنموذج الاقتصادي للتنمية ثم ظهر مفهوم تنمية الموارد البشرية في الستينات وفي السبعينات ظهر مفهوم تلبية الحاجات الأساسية والتخفيف من وطأة الفقر، ثم ظهر في الثمانينات مفهوم التكيف الهيكلي الذي كان وما يزال أشد وطأة على شعوب البلدان النامية والذي زاد من حدة الفقر أكثر فأكثر.

وفي بداية تسعينات القرن العشرين ظهر مفهوم التنمية البشرية الذي عرَّفه تقرير التنمية البشرية الأول للأمم المتحدة عام 1990م بأنه "صيرورة تؤدي إلى توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس وأهم هذه الخيارات هي الحياة الطويلة الصحية واكتساب المعرفة والتمكن من الموارد الضرورية للتمتع بحقوق الإنسان واحترام الذات". هذا المفهوم يعني إن نمو الناتج المحلي الإجمالي ضرورياً، ولكن ليس كافياً، وإن الموارد البشرية ورأس المال البشري لم ترى في الإنسان سوى وسيلة فأصبح غاية، ولأن الرفاه كان يعتبر البشر منتجين فأصبحوا فاعلين، ولأن الحاجات الأساسية كانت منحصرة في الجوانب المادية و الخدمات فتسعت لظروف الحياة والحريات, أي أن المفهوم صار يؤكد على أن الإنسان هو هدف وأداة وغاية التنمية، فمنه وبه تبدأ و إليه تنتهي.

ولقد تطور مفهوم التنمية البشرية من عام إلى أخر إلى أن أصبح يجمع بين عدد من الأبعاد:

-   البعد الاقتصادي في عملية التنمية, ويتمثل في رفع معدل النمو الاقتصادي الذي يؤثر بدوره في الإنفاق على الخدمات ولا سيما التعليم والصحة والحد من مستوى الفقر.

-   البعد الاجتماعي للتنمية, ويتمثل في الحد من الفقر المطلق, من خلال تمكين الإنسان من الانخراط في كافة أشكال الحياة الاجتماعية، وتستهدف إعادة توزيع الموارد لصالح الفقراء.

-   البعد البيئي, ويتمثل في الحيلولة دون استمرار تدهور الظروف البيئية وجعل التنمية تنمية مستدامة تحافظ على البيئة من خلال حسن استغلالها وعدم استنفاذها كمورد لضمان استمرارها في المستقبل.

-   البعد البشري, ويتمثل في توسيع نطاق  خيارات الناس المختلفة. ويتجلى ذلك من خلال إتاحة الفرصة للإنسان في ممارسة حريته السياسة والاقتصادية والاجتماعية وإتاحة الفرصة في الإنتاج والإبداع واحترام ذاته وحقوقه الإنسانية.

ترتبط التنمية البشرية إرتباطاًويثيقاً بالنمو السكاني, حيث يعتبر السكان شرطاً ضروريا للقيام بنشاطات تنموية فاعله, كما أن النمو السكاني من العوامل المؤثره والمتأثرة بمناخ التنمية الاجتماعية والاقتصادية إجمالاً وعلى التنمية البشرية بشكل خاص.

إن حركة السكان ونموهم إنما يقع تحت تأثير النظام الاقتصادي والاجتماعي وبمدى تطوره أو تخلفه.

ومن هذا المنطلق تشير الدراسات السكانية إلى أن تاريخ النمو السكاني ينقسم إلى مرحلتين تاريخيين أساسيتين:

1- المرحلة القديمة للنمو السكاني: وقد سادت منذ الخليقة الأولى وحتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي والتي فيها كان النمو السكاني متوازناً وبطيئاً وكانت الزيادة في حجم السكان تتم على مدى آلاف السنين.

2-   المرحلة الحديثة للنمو السكاني: وقد بدئت منذ منتصف القرن السابع عشر ولاتزال سائدة حتى عصرنا الحالي.

وفي المرحلة الحديثة للنمو السكاني تتم الزيادة على مدى سنوات قليلة وبشكل متصاعد من فترة إلى أخرى, مختلفة في بطئها وتسارعها من قارة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. وخلال هاتين المرحلتين برز اتجاهين فكريين متناقضين من النمو السكاني  – اتجاه تشاؤمي وآخر تفاؤلي انطلاقاً من تفسير أسباب الاختلال الكامن بين التنمية ونمو السكان.

    ففي الفترة القديمة كان هناك عدد من الفلاسفة الذين ينادون بالحد من النمو وتحديد النسل، وذلك من أجل تناسب عدد السكان مع ما تستطيع الأرض تقديمه من غذاء لهم فقد عبّر جميعهم عن القلق من عدم كفاية الغذاء لجميع الناس إذا تواصل التناسل والنمو.

    كما وجد أيضاً عدد من الفلاسفة والدول ممن يشجع على زيادة النسل والنمو السكاني.

    وفي الفترة الثانية برزت العديد من النظريات والأفكار ووضعت مفاهيم نظرية مختلفة، تبلورت في مدرستين متناقضتين، مدرسة تمثل الاتجاه التشاؤمي وتعتبر النمو السكاني العامل الوحيد المسؤول عن التخلف، وإعاقة التنمية والتطور، وأنه مصدر لمختلف المشكلات والظواهر الاقتصادية والاجتماعية السيئة كالبطالة والفقر والجريمة والحروب…الخ. ويمثل هذا الاتجاه المدرسة المالتوسية قديمها وجديدها.

إما الاتجاه الثاني، هو الاتجاه التفاؤلي الذي يرى في السكان ونموهم عامل أساسي من عوامل النمو والتطور. وإن النظام الاقتصادي والاجتماعي السائد هو المسؤول عن التخلف وإعاقة التطور، وهو المسؤول أيضاً عن تسارع نمو السكان أو إبطائه. أبرز ممثلي هذا الاتجاه هي المدرسة الماركسية، قديمها وجديدها. تبلور المفهوم الماركسي حول نمو السكان في خضم الصراع مع المدرسة المالتوسية. وحسب الماركسية فإن القوانين المنظمة لنمو السكان ليست قوانين بيولوجية فقط كما عند مالتوس ولكنها قبل كل شيء قوانين اجتماعية وترى هذه المدرسة أن نمو السكان يمكن أن يكون خاضعاً بشكل كلي لإرادة الإنسان والمجتمع وسيطرته وإن العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية بتكاملها مع بعضها تعمل على تحديد مستوى التطور لأي مجتمع ويكون لها تأثيراً كبيراً على معدلات النمو السكاني، وترفض الماركسية الزعم القائل أن النمو السكاني الكبير هو سبب المشكلات السكانية في البلدان النامية.

وتبعاً لمفهوم هاتين المدرستين حول نمو السكان وضعت السياسات السكانية في البلدان النامية، لغرض الحد من نمو السكان، لكن مجمل تلك السياسات لم تخرج عن إطار المفهوم المالتوسي الذي لا يعترف بوجود علاقة جدلية بين المتغيرات السكانية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية ولهذا فكان مفهوم السياسة السكانية لديهم يرتبط فقط في كيفية إيقاف النمو السكاني من خلال الحد من عملية التناسل البشري عبر معالجات ديمغرافية محضة تتبناها الدول الرأسمالية الكبرى وتفرضها على الدول النامية عبر المنح والمساعدات والقروض، وتقترح لهذا الغرض عدد من الإجراءات اللا إنسانية واللا أخلاقية مثل:-

-   استخدام أساليب (الترهيب والترغيب) التحفيز والطوعية أو القسر والإجبار للحد من الإنجاب.

-   حجب المعونات عن الفقراء من الدول التي لا تتبع سياسات الحد من النسل.

-    التعقيم ضد الخصوبة الدائمة وغير الدائم.

-    إباحة الإجهاض.

-    إباحة تكنولوجية منع الحمل وتقديمها بأثمان رمزية.

-    رفع تكاليف الزواج وتحفيز غير المتزوجين.

ترى الماركسية أن السياسة السكانية يجب أن تقوم في إطار منظومة متكاملة من الإجراءات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وأن أي برنامج لتنظيم الأسرة يجب أن تسبقه تحولات اجتماعية واقتصادية جذرية من شأنها رفع مستوى معيشة الناس المادي والثقافي المتدني حتى تهيئ مقدمات لخلق مصلحة في الأسرة الصغيرة لدى الناس.

وعلى ضو ذلك الاستعراض ونتيجة لتعدد المفاهيم واختلاف التفسيرات كان لابد من تحديد المفاهيم التي قام عليها هذا البحث على النحو التالي:-

1-  التنمية البشرية هي صيرورة تؤدي إلى توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس، وأهم تلك الخيارات هي الحياة الطويلة الصحية واكتساب المعرفة والتمكن من الموارد الضرورية للحياة، والتمتع بالحريات والحقوق.

2-  النمو السكاني استخدم باعتباره متغير مرتبط بظروف المحيط الاجتماعي الذي يوجد فيه ونموهم يخضع للظروف الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع وطبيعة ثقافتة ومنظومة القيم السائدة فيه مثلما يخضع للعوامل البيولوجية.

3-  السياسة السكانية: هي مجموعة الإجراءات والآليات المتنوعة الهادفة إلى إيجاد نوعاً من التوازن والاستقرار بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية والاستهلاك والبيئة.

إن موضوع البحث (التنمية البشرية والنمو السكاني في اليمن الماضي والحاضر).

    هو دراسة سوسيو اقتصادية تطبيقية تبحث في العلاقة بين التنمية البشرية والنمو السكاني في الجمهورية اليمنية 1990-2000م.

بالرغم من أن اليمن بشطريه (قبل الوحدة) قد أعارت مشكلات التنمية البشرية والنمو السكاني بعض الاهتمام إلا أن ذلك لم يكن كافياً, كون هذا الاهتمام لم يكن يمثل سوى نشاطاً جزئياً في اطار خطط التنمية الاقتصادية الاجتماعية. لكنه أعطى نتائج ملموسه في كثير من قطاعات التنمية البشرية يعود الفضل في ذلك إلى عوامل خارجية أكثر منها داخلية وذلك بفعل المساعدات والمعونات المقدمة من الدول الصديقة والشقيقية من ناحية, وبفعل نقل منجزات التقدم العلمي والتقني من البلدان المتطورة من ناحية أخرى. إلا أن النظام الجديد (الجمهورية اليمنية) ولد في خضم تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية داخلية وخارجية عديدة لعبت دوراً سلبياً على أداء الاقتصاد اليمني وكادت تودي به إلى الانهيار ساعد على ذلك أن هذا النظام كان يفتقر إلى استراتيجية اقتصادية واجتماعية وسياسية واضحة ومحددة، بل كانت تسود العشوائية والارتجالية في وضع السياسات والبرامج وكذلك في التنفيذ.

أنعكس ذلك في تراجع الناتج المحلي الإجمالي وشمل التدهور جميع الأنشطة الاقتصادية باستثناء قطاع النفط، حيث بلغ معدل النمو في المتوسط –1% إلى جانب ارتفاع معدل البطالة إلى أعلى المستويات والعجز في الموازنة العامة مع ارتفاع في الواردات وانخفاض في الصادرات وتحويلات المغتربين وتدني حجم القروض والمساعدات الخارجية، كل ذلك أنعكس على سعر صرف الريال مقابل الدولار، فتدني المستوى المعيشي للناس، وساد الركود الاقتصادي فارتفعت نسبة البطالة وتزايدت نسبة الفقر، وساد التضخم وانخفض متوسط دخل الفرد كثيراً. مما دفع الدولة اللجوء إلى الاقتراض من المؤسسات الدولية التي أملت عليها وضع برنامج الإصلاح الاقتصادي والذي كان له انعكاسات سلبية على المستوى المعيشي والخدمات الاجتماعية الاساسية لأفراد المجتمع, فقد تدنى المستوى المعيشي للفرد والاسرة وتوسعت مساحة الفقر. تدهور الوضع الصحي وأرتفعت  تكاليفية, تخلفت العديد من الخدمات الاجتماعية نسبة إلى مستوى حاجة الناس لها, كالتعليم والمياه والكهرباء والسكن والصرف الصحي ...  الخ.

وفي جانب النمو السكاني فقد بين هذا البحث أن اليمن كانت حتى نهاية الستينات تمر في المرحلة التقليدية للنمو الديمغرافي العالمي، فقد كانت معدلات المواليد والوفيات مرتفعة، مما جعل النمو الطبيعي يتميز بتدني كبير مقارنة بارتفاع معدل المواليد، ولكن في عقد السبعينات اتجهت معدلات الوفيات نحو الانخفاض, بينما ظلت معدلات المواليد محافظة على ارتفاعها. وقد كان ذلك التحول الديمغرافي بداية ولوج اليمن إلى المرحلة الثانية من مراحل التحول الديمغرافي (مرحلة النمو السكاني السريع) والتي لا تزال مستمرة حتى اليوم, نظراً لوجود العديد من العوامل المؤثرة أهمها:

-   شيوع الزواج المبكر وتعدد الزوجات.

-   ارتفاع نسبة الأمية والاعتقاد بأن كثرة  الانجاب يعتبر قوة اقتصادية وعصبية. ويعزز مكانت الاسرة لاسيما في ريف اليمن.

-   تدني نسبة التحاق الفتاة بالتعليم وارتفاع نسبة التسرب في أوساط الملتحقات منهن بالمراحل الأولى.

هذه المحفزات وغيرها أدت إلى ارتفاع معدل النمو السكاني من 3.1% في منتصف الثمانينات إلى 3.7% عام 94م  والذي يُعد من أعلى معدلات النمو السكاني في العالم.

إن تنظيم الاسرة في اليمن حتى منتصف السبعينات من القرن العشرين لم يحضى بالاهتمام ولكن مع دخول العقد الثامن من القرن العشرين أعار النظام الحاكم في اليمن مسألة تنظيم الاسرة شيء من الاهتمام, حيث بدئت تقدم بعض مستلزمات تنظيم الأسرة واعدت بعض البرامج الخاصة بالخدمات السكانية في مجال الصحة العامة وصحة الطفل.

ثم بدئت عدد من الأنشطة السكانية المختلفة في الظهور مثل خدمات الأمومة والطفولة، وتنظيم الأسرة، وجمعية الأسرة اليمنية وبرامج التنمية والتربية السكانية وغيرها.

وفي مطلع التسعينات دخلت اليمن ضمن مجموعة البلدان التي تقوم سياستها السكانية على تحديد النسل وضبطه, فقد اعترفت الدولة رسمياً بالمشكلة السكانية, رافق ذلك عقد العديد من الورش والندوات والمؤتمرات السكانية، التي تمخض عنها وثيقة الاستراتيجية الوطنية للسكان في الجمهورية اليمنية التي من أهم اهدافها خفض معدل النمو السكاني وتحقيق الترابط بين التنمية الاقتصادية ونمو السكان, لكن هذه الاستراتيجية أخفقت في تحقيق العديد من أهدافها بفعل إخفاق السياسة الاقتصادية والاجتماعية في تحقيق أهدافها من ناحية ومن ناحية أخرى قصور التكامل في الاداء الوظيفي لاجهزة الدولة المختلفة والامانة العامة للمجلس الوطني للسكان. ولقد كان لذلك الاخفاق انعكاسات سلبية على المستوى المعيشي لافراد المجتمع, متجلياً في تدني مستوى دخل الفرد وتدني مستوى الإنفاق على قطاعات الخدمات الاجتماعية مما أثر كثيراً على نمو وتطور قطاعات التنمية البشرية وبالتالي على عدم فعالية تلك القطاعات في التأثير على النمو السكاني.

إن تنفيذ أي سياسة سكانية لايمكن أن يتم بمعزل عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي السائد, لأن التقدم في التحضر والتعليم والرعاية الصحية ومدى مشاركة المرأة في العمل والتنمية, والتخلص من تأثير القيم القديمة المرتبطة بالزواج المبكر وتفضيل الذكور والأسرة الممتدة ومدى قدرة الدولة على فرض سيطرتها وقوانينها على جميع أفراد المجتمع, كل ذلك له تأثير كبير على مستوى نمو السكان سلباً أو إيجاباً. كما أن محدودية فرص العمل وتدني المستوى المعيشي يزيد من البطالة ويؤدي إلى زيادة عدد الفقراء وهذا يزيد من تنامي الأمية والتي بدورها تقود إلى تدني الوعي الثقافي والصحي وبالتالي انتشار الأوبئة وارتفاع الوفيات وبالنتيجة ارتفاع الخصوبة.

إن عدم اهتمام الدولة بالتنمية البشرية يتجلى بوضوح في حجم إنفاقها على التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأخرى التي تمثل روافد أساسية للتنمية البشرية, ففي الوقت الذي يتصاعد فيه نسبة نمو السكان من عام إلى آخر. نلاحظ إما ثبات نسبة الإنفاق على قطاعات التنمية البشرية أو تراجعها, ناهيك عن فقدان العملة اليمنية لقيمتها الحقيقية باستمرار, لذلك لم يكن الاستثمار في هذه القطاعات كافياً, بل ومتدنياً جداً, وبالتالي فهو لم يحدث تغييراً ملموساً في التنمية البشرية إلا في حدود ضيقة جداً بالمقارنة بمعدل نمو سكاني بلغ 3.5% يؤدي إلى التهام تلك المخصصات الضئيلة, وهذا يعود إلى عدد من العوامل أهمها:

-    نمو سكاني عالي وتدني حجم الاستثمار الحكومي في قطاعات التنمية.

-    تدني حجم مشاركة القطاع الخاص, والموجود منها يهدف إلى الربح التجاري ليس إلا, حيث لم يستفيد منها سوى ميسوري الحال.

-    اختلال الإنفاق في القطاعات الاجتماعية بسبب الفساد الإداري وإجراءات الروتين الطويل.

-    انعدام العدالة في توزيع المشاريع الاستثمارية بين المحافظات من جهة وبين المدينة والريف من جهة أخرى.

-    تدني حجم الاستثمار مقابل الإنفاق  الجاري في قطاعات التنمية البشرية, مما يؤدي إلى تدني مستوى الخدمات المقدمة للمواطن ففي قطاع التعليم استحوذ الإنفاق الجاري على 86.9% عام 92م و 90% عام 1996م. وفي الصحة كان عام 92م يمثل 91.3% وفي عام 96م كان 60.7%.

وفي الجانب الآخر فقد أخفقت الاستراتيجية الوطنية للسكان بإنجاز العديد من أهدافها بسبب كونها كرست رسالتها واهتمامها على المرأة وحدها وتحملها مسؤولية تحديد النسل حيث كرست كل برامجها على الحد من معدلات الخصوبة من خلال الترويج لاستخدام وسائل منع الحمل فقط, دون ربط ذلك بقضايا تحسين الخدمات التعليمية والصحية وفي توسيع مشاركة المرأة في التنمية.

إن التنمية البشرية والنمو السكاني على علاقة جدلية وثيقة فحيثما يكون التعليم ميسراً ومنتشراً على مساحة واسعة من البلاد تقل نسبة الأمية بين السكان فيرتفع المستوى الثقافي للناس وخصوصاً الإناث منهم وهذا بدوره يؤخر سن الزواج لدى الإناث ويؤدي إلى رفع مستوى وعيها الصحي ويدفعها إلى مقاومة العديد من العادات والتقاليد السيئة التي ارتبطت بالإنجاب المتواصل وبالتالي الحد من الخصوبة العالية, والعكس صحيح, فحينما يكون نمو السكان مرتفعاً لايستطيع التعليم مواكبة هذا النمو وبالتالي يؤدي إلى تفشي الأمية بين الناس, وتفشي الأمية تقود إلى ارتفاع في معدل الخصوبة وتكريس اللامبالاة بالقضايا الصحية والبيئية وسيطرة العادات والتقاليد السيئة المرتبطة بالزواج والإنجاب وتفشي الأمراض ... الخ.

ولقد خلص البحث إلى تحديد أسباب عدم قدرة برامج التنمية البشرية والسياسة السكانية في تحقيق أهدافها ووضع التوصيات المناسبة لمعالجة تلك الأسباب حتى تستطيع الاستراتيجيات الجديدة بلوغ أهدافها بدقة وبالتالي إيجاد توازناً مستقراً بين التنمية البشرية والنمو السكاني والدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الإمام.



عن اليمن.. أدلة تهمك قواعد بيانات خدمات تفاعلية

شروط الاستخدام  |  خدمات الموقع  |  تواصل معنا

Copyright © National Information Center 2014 All Rights Reserved

Designed By : Website Department